محمد بن جعفر الكتاني
54
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
عنه من إخوانه ، ويجأر إلى اللّه تعالى بالدعاء عندهم ، ويكثر التوسل بهم ؛ لأنه سبحانه اجتباهم وشرفهم وكرمهم ، فكما نفع بهم في الدنيا ففي الآخرة أكثر ، فمن أراد حاجة فليذهب إليهم ويتوسل بهم ؛ فإنهم الواسطة بين اللّه تعالى وبين خلقه . وقد تقرر في الشرع وعلم ما للّه تعالى بهم من الاعتناء ، وذلك كثير مشهور » . وفي " الإبريز " ، أن من جملة الأسباب الموجبة للانقطاع عن اللّه عزّ وجل ؛ الطارئة على هذه الأمة من غير شعور لأكثرهم بها : التوسل إلى الصالحين باللّه عزّ وجل ليقضوا الحاجة ؛ فيقول الزائر : قدمت لك وجه اللّه يا سيدي فلان إلا ما قضيت لي حاجتي . قال : « وإنما كان سببا للانقطاع لأن الزائر قلب الواجب وعكس القضية ؛ فإنه كان من حقه أن يتوسل للّه عزّ وجل بأوليائه لا أن يعكس . . . » . قلت : وسبب هذا الجهل العظيم الصادر منهم : أنهم يعتقدون في الأولياء أنهم يضرون وينفعون ويعزون ويذلون ويعطون ويمنعون ، ويولون ويعزلون . . . إلى غير ذلك مما هو مختص بالباري تبارك وتعالى ، ولذلك تجد أحدهم يأتي إلى ضريح الولي ويقول له : يا سيدي فلان ؛ أسألك باللّه إلا ما شفيتني . أو : إلا ما رفعت عني هذا الضرر . أو : إلا ما أعطيتني كذا . أو : إلا ما سهلت على كذا . . . إلى غير ذلك من سؤالاتهم الفظيعة ، وأحوالهم الذميمة الشنيعة ، التي يوهمون بها وجود شريك مع الباري سبحانه . وقائل ذلك ونحوه إن اعتقد أن الولي هو الذي يؤثر في قضاء حاجته ويوجد ما بقدرته على حسب إرادته كما يوجدها الباري سبحانه ؛ كفر وكان مرتدا ؛ لأنه أشرك مع اللّه غيره . وإن اعتقد أنه يؤثر فيها بما جعله اللّه فيه من القوة والسر ؛ كان مبتدعا وفي كفره خلاف . وإن اعتقد نفي التأثير عنه رأسا وكان يرى أن الفاعل المختار في جميع الأشياء هو اللّه سبحانه لا غيره من جميع المخلوقات ، ولكنه يرى أن هذا الولي لعظيم مكانته عند مولاه ، ورفيع منزلته لديه [ 53 ] ؛ رزقه اللّه التصرف في مملكته ؛ فهو يولي فيها ويعزل ، ويعطي ويمنع ، ويضر وينفع بإذن منه سبحانه على حسب ما جرى به علمه تعالى ، وتعلقت به إرادته في سابق أزليته ، بحيث لا يولي إلا من أراد اللّه توليته ، ولا يعزل إلا من أراد عزله . . . وهكذا ؛ كان مصيبا في اعتقاده المذكور ، موافقا فيه لاعتقاد أهل السنة والجماعة . إلا أنه مخطئ من جهة إسناده الفعل ظاهرا إلى من ليس له على الحقيقة ، مع أن المقام لا يصلح لذلك ؛ لما فيه من شدة إيهام التأثير لغيره سبحانه ، سيما إن وقع ذلك بحضرة الجهال ومن لا علم عندهم بالعقائد ، ووقع من شخص مقتدى به ، ولو في الجملة ؛ فإنه ربما